بقلم/ نجوى نصر الدين
من رحم المعاناة يولد الإبداع
ليست المعاناة لعنةً خالصة كما نظن، ولا هي ظلامٌ بلا نافذة. في أعماقها شيءٌ يشبه البذرة؛ ساكنة، موجوعة، لكنها تخبّئ سرّ الانبثاق. كثيرون مرّوا بالألم، لكن قلة فقط عرفوا كيف يحوّلونه إلى معنى، وكيف يستخرجون من الجرح لغة، ومن الخسارة رؤية، ومن الانكسار ميلادًا جديدًا.
الإبداع لا يولد في الفراغ. إنه غالبًا وليد صراعٍ داخلي، سؤالٍ لم يجد جوابًا، أو وجعٍ لم يحتمله القلب إلا حين حوّله إلى فكرة.
تأمل سيرة” فنسنت فان جوخ؛” عاش قلقًا ووحدةً وفقرًا، لكن لوحاته اليوم تُعدّ من أثمن ما أبدعته الإنسانية. لم يكن الألم نهاية طريقه، بل كان مادته الخام. وكذلك “لودفيغ فان بيتهوفن” الذي فقد سمعه تدريجيًا، ومع ذلك كتب أعظم سيمفونياته وهو لا يسمعها إلا في داخله. كأن المعاناة كانت البوابة التي عبر منها إلى الخلود.
المعاناة تعرّي الإنسان من الزيف. تضعه وجهًا لوجه أمام حقيقته، فتسقط الأقنعة، ويبدأ السؤال: من أنا؟ ماذا أريد؟ ماذا يمكن أن أصنع من هذا الألم؟ هنا تبدأ لحظة التحوّل. فبدل أن يكون الألم قيدًا، يصبح وقودًا. وبدل أن يكون العجز نهاية، يصير دافعًا لاكتشاف قدرات لم نكن نعلم بوجودها.
في الأدب أيضًا، كثير من الروايات العظيمة وُلدت من الفقد والغربة والحرمان. الألم يمنح النص صدقه، ويمنح الفكرة عمقها، ويمنح العمل روحه. لأن الإبداع الحقيقي لا يُصطنع؛ هو يُستخرج كما يُستخرج المعدن النفيس من قلب الصخور.
لكن ليس المقصود تمجيد المعاناة أو البحث عنها. فالألم ليس هدفًا، بل هو واقعٌ إنساني. الفرق يكمن في الاستجابة له: هل نسمح له بأن يطفئنا؟ أم نسمح له بأن يشكّلنا؟ بعض الناس يتحولون إلى ضحايا جراحهم، وبعضهم يتحولون إلى كتّابها، إلى فنانيها، إلى مهندسي معناها.
حين نفهم أن المعاناة ليست سوى مرحلة في رحلة التشكّل، ندرك أن داخل كل أزمة فرصة كامنة. داخل كل سقوط درسٌ خفي. وداخل كل ظلمة احتمالُ فجر.
من رحم المعاناة يولد الإبداع…
لا لأن الألم جميل، بل لأن الروح الإنسانية قادرة على أن تحوّل أقسى التجارب إلى أعمق المعاني.
وربما كانت أعظم الأعمال ليست تلك التي كُتبت بالحبر،
بل تلك التي كُتبت بالدمع… ثم تحوّلت نورًا
تحياتي
نجوى نصر الدين







































