بقلم/نجوى نصر الدين
الضجيج وصمت القلب
في زمن الضجيج… هل ما زال للصمت قلب؟
منذ أن تعلّم الإنسان النطق، وهو يهرب من الإصغاء. يملأ الفضاء بالكلمات، يكدّس الشعارات، يرفع اللافتات، ثم يعود في المساء ليكتشف أنه لم يسمع أحدًا… ولا حتى نفسه. تتغير الأزمنة، تتبدل الخرائط، لكن الضجيج يزداد كثافة، كأن البشرية تخشى لحظة الصمت لأنها قد تكتشف فيها هشاشتها.
نعيش اليوم في عالم لا يعترف إلا بالصوت الأعلى. من يصرخ أكثر يُصدَّق أكثر. ومن يُحسن صناعة الصورة يُمنح الحقيقة كاملة. تُدار المعارك بالكلمات كما تُدار بالمدافع؛ إعلام يختار ما يُظهر وما يُخفي، منصات تُعيد تشكيل الوعي، وخطابات تُقنع الجماهير بأن الخوف فضيلة، وأن العداء يقظة.
لكن، متى أصبح الارتياب حكمة؟ ومتى صار الانقسام دليل وعي؟
لقد تحوّل الإنسان إلى مشروع استهلاك دائم: يستهلك الأخبار كما يستهلك السلع، يستهلك الغضب كما يستهلك الترفيه. يُعاد تدوير ألمه على الشاشات، وتُستثمر دموعه في نسب المشاهدة. حتى القضايا الكبرى باتت مواسم عابرة؛ تشتعل أيامًا، ثم تُستبدل بأخرى. كأن المأساة فقدت قدرتها على إحداث الصدمة.
العالم لا ينقصه الحديث عن القيم، بل ينقصه الإيمان بها. نتغنى بالحرية ونخشى المختلف، نرفع راية العدالة ونصمت أمام الظلم حين لا يمسّنا مباشرة. صرنا نُجيد التبرير أكثر مما نُجيد المواجهة. نبحث عن مذنب بعيد كي لا نضطر إلى مساءلة أنفسنا.
إن أخطر ما أصابنا ليس القسوة وحدها، بل الاعتياد عليها. أن ترى الألم فلا تهتز، أن تسمع الخبر فلا تتوقف، أن تمضي في يومك كأن شيئًا لم يكن. عندها لا يعود الخراب حدثًا طارئًا، بل يصبح خلفية ثابتة لحياتنا.
لقد فقدنا البوصلة حين استبدلنا المعنى بالمصلحة، والإنسان بالصورة، والحقيقة بالانطباع. أصبح النجاح يُقاس بما نملك لا بما نمنح، وبما نظهر لا بما نكون. نُطارد الاعتراف الخارجي حتى نفقد الاعتراف الداخلي بأنفسنا.
ومع ذلك، ليس كل شيء مفقودًا.
ما زالت هناك مساحات صغيرة تقاوم هذا الانجراف: معلم يؤمن برسالته رغم تعب الطريق، أمّ تُربي على الرحمة في زمن القسوة، شاب يرفض أن يكون نسخة مكررة من الكراهية السائدة. هذه التفاصيل الهامشية هي ما يُبقي للإنسانية نبضها الخافت.
ربما لا نستطيع تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نُبطئ سقوطه في داخلنا. أن نُعيد الاعتبار للصمت، لا كعجز، بل كمساحة للتفكير. أن نختلف دون أن نتقاتل. أن نُصغي قبل أن نحكم. أن نتذكر أن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخر، بل في فهمه.
فالسؤال لم يعد: من الأقوى؟
بل: من الأكثر إنسانية؟
حين نستعيد هذا السؤال، ربما نبدأ في استعادة أنفسنا. وربما، فقط ربما، نكتشف أن الخلاص لا يحتاج معجزة كبرى، بل يحتاج شجاعة صغيرة… شجاعة أن نكون بشرًا في زمنٍ يطلب منا أن نكون شيئًا آخر.
تحياتي
نجوى نصر الدين



































