في كواليس أروقة القرار في “نيودلهي”، لم يعد الحديث عن صفقات التكنولوجيا أو التحالفات العابرة للقارات هو السائد، بل ثمة “رعب صامت” بدأ يتسلل إلى حكومة “ناريندرا مودي”. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل اعتقد مودي أن الارتماء الكامل في أحضان “نتنياهو” والتماهي مع الأجندة الإسرائيلية سيمر دون ثمن باهظ من العالم الإسلامي؟ الحقيقة التي كشفتها تغريدة واحدة حول “حظر تجاري” محتمل هي أن الاقتصاد الهندي، رغم ضجيجه، يمتلك “كعب أخيل” قاتل، وهو يعيش حرفياً على “أوكسجين” الخليج العربي. نحن لا نتحدث عن عواطف، بل عن لغة الأرقام وأدوات الردع التي يمتلكها “المحور السني” بقيادة السعودية، والتي يمكنها كسر الكماشة (الهندية-الإسرائيلية) دون إطلاق رصاصة واحدة!
إليكم فتح الصندوق الأسود لأوراق الضغط التي ترتعد منها بورصة بومباي: 1. المقصلة الاقتصادية (سلاح العمالة): يوجد في دول الخليج أكثر من 8.5 مليون عامل هندي، يضخون سنوياً ما يقارب 40 إلى 50 مليار دولار كتحويلات مباشرة للداخل الهندي. أي تحريك لهذا الملف أو استبدال هذه العمالة ببدائل من دول إسلامية أخرى سيعني “انفجاراً اجتماعياً” في الشارع الهندي كفيل بالإطاحة بحزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم.
2. شريان الطاقة (النفط مقابل الموقف): تعتمد الآلة العسكرية والصناعية الهندية بنسبة هائلة على النفط والغاز السعودي والخليجي. التلويح فقط بمراجعة عقود التوريد أو تقليص الامتيازات النفطية يعني توقف عصب الحياة في نيودلهي. الهند تدرك أن “أمن الطاقة” الخاص بها يمر عبر الموانئ العربية، وليس عبر تل أبيب.
3. سلاح الاستثمارات والصناديق السيادية: تنتظر الهند استثمارات بمليارات الدولارات من الصندوق السيادي السعودي والإماراتي في قطاعات البنية التحتية والطاقة. الرعب الذي يسود بورصة “سنسيكس” (Sensex) نابع من احتمالية تجميد هذه الاستثمارات. رأس المال “جبان”، وإذا شعر الخليج أن بوصلة مودي تضاد مصالحه الوجودية، فإن سحب هذه الأموال سيعني سقوطاً حراً للروبية الهندية.
4. إحياء “الدرع النووي الباكستاني”: هنا يكمن الكابوس الاستراتيجي لنيودلهي؛ فتكامل “المال الخليجي” مع “التكنولوجيا العسكرية التركية” لدعم باكستان يعني استنزاف الهند عسكرياً واقتصادياً في سباق تسلح لا تطيقه ميزانيتها المنهكة، مما يجعل التفوق الهندي مجرد حبر على ورق.
5. سلاح المقاطعة الشعبية (تأثير الدومينو): ما حدث في حملات المقاطعة السابقة أعطى درساً قاسياً. الشركات الكبرى في بومباي وبنغالور تعلم أن خسارة السوق الاستهلاكية الإسلامية (أكثر من 1.8 مليار نسمة) تعني إفلاس قطاعات كاملة، من المنسوجات إلى البرمجيات. الخلاصة:
على مودي أن يدرك أن “التحالف مع إسرائيل” قد يمنحه تكنولوجيا تجسس أو صفقات سلاح محدودة، لكنه لن يمنحه “الأمان القومي” الذي توفره له العلاقة مع العمق الإسلامي. اللعب مع الكبار في الرياض والقاهرة وأنقرة له قواعد، ومن يحاول كسر هذه القواعد سيجد نفسه يختنق اقتصادياً في بلد لا يتحمل انقطاع “الأوكسجين الخليجي” لليلة واحدة. السؤال الآن: هل يستوعب مودي الدرس قبل فوات الأوان، أم أن غرور القوة سيقوده إلى اصطدام مدمر مع الجدار الإسلامي الصلب؟. د.عاصم القاضي