بقلم: نجوى نصر الدين
الفخر الحقيقي
أتعلمون ما الفخر الحقيقي يا سادة؟
ليس في منصبٍ يُمنح،
ولا في لقبٍ يُعلَّق،
ولا في تصفيقٍ عابر.
الفخر…
أن يأتيك تلميذٌ مبعثَر الروح،
مثقَلًا بالشك،
مرهقًا من الحياة،
ضائعًا بين الخوف والخذلان.
أن يأتيك وهو لا يعرف من نفسه إلا القليل،
ولا يرى في مستقبله إلا الضباب.
فتحتويه أولًا…
قبل أن تعلّمه.
تفهمه…
قبل أن تحاسبه.
تُطمئنه…
قبل أن تُقيّمه.
تبدأ بصبرٍ يشبه الدعاء،
وبقلبٍ يؤمن أن كل روح قابلة للترميم.
تُعيد ترتيب فوضاه،
وتجمع شتاته،
وتزرع فيه الثقة قطرةً قطرة،
حتى يقف من جديد.
لا تصنع منه نسخة منك،
بل تساعده أن يكتشف نفسه.
تعلّمه أن الخطأ ليس نهاية،
وأن الفشل ليس عارًا،
وأن المحاولة عبادة.
ثم…
حين يقوى عوده،
وتستقيم خطواته،
وتلمع عيناه بالأمل،
تنثره في الحياة.
تنثره بين القلوب،
فيكون أصدقها،
وأجملها،
وأنفعها.
تراه طبيبًا يُنقذ،
ومهندسًا يُعمّر،
ومعلمًا يُربّي،
وإنسانًا يُصلح.
وحين تنظر إليه من بعيد،
تبتسم في صمت،
وتقول في قلبك:
الحمد لله… لم يضع تعبي.
ثم يفعل الله بك ما هو أعظم…
يجعل هذا التلميذ نهرًا جاريًا من الحسنات،
كل خير يفعله،
كل ابتسامة يصنعها،
كل قلب يواسيه،
كل طريق يهديه…
في ميزانك.
لأنك كنت السبب بعد الله.
لأنك لم تيأس.
لأنك لم تُهِن.
لأنك آمنت حين كفر به الآخرون.
هذا هو الفخر يا سادة…
أن تبني إنسانًا،
لا شهادة فقط.
أن تصنع روحًا،
لا ملفًا.
أن تترك أثرًا،
لا توقيعًا.
فطوبى لكل معلّمٍ صادق،
وكل مربٍّ رحيم،
وكل قلبٍ اختار أن يكون جسرًا للنجاة.
هؤلاء…
هم صُنّاع الحياة الحقيقيون
تحياتي
نجوى نصر الدين


































