بعد استبعاد أعداد كبيرة من أبناء محافظة البحر الأحمر من مشروعات السكن الاجتماعي، وبينهم مواليد المحافظة أنفسهم، بات من الضروري فتح ملف السكن من جديد وإعادة دراسته بجدية وعدالة حقيقية، لا تعتمد فقط على أرقام جامدة على الورق، بل تراعي الواقع المعيشي الفعلي للمواطنين. السكن الآمن ليس منحة ولا امتيازًا، بل هو حق دستوري أصيل لا يقبل الجدل أو التأجيل. غير أن الواقع الحالي يكشف فجوة خطيرة بين الدخول الحقيقية للمواطنين وبين أسعار الإيجارات التي ترتفع بلا ضوابط أو رقابة أو تدرج منطقي. أصحاب المعاشات لا تتجاوز دخولهم ما بين ألفي جنيه إلى ستة آلاف جنيه، وآلاف الموظفين تبدأ دخولهم من ستة آلاف جنيه، في حين يقفز الإيجار إلى أرقام لا تتناسب إطلاقًا مع هذه الدخول، ما يضع المواطن أمام معادلة مستحيلة، إما السكن غير الآدمي أو الاستدانة أو التهديد المستمر بفقدان المأوى. هذا الخلل لا يمثل أزمة اقتصادية فقط، بل خطرًا مباشرًا على الاستقرار النفسي والاجتماعي، ويجعل فكرة تكوين أسرة أو العيش بكرامة حلمًا بعيد المنال، خاصة في المحافظات الحدودية التي تتحمل أعباء إضافية من الغربة وارتفاع تكاليف المعيشة. أبناء محافظة البحر الأحمر أَولى بالسكن على أرضهم، فهم جزء أصيل من نسيجها الاجتماعي، وأي خطط تنمية أو توسع سياحي أو استثماري لن تنجح إذا كان المواطن نفسه يشعر بعدم الأمان ومهددًا بالعجز عن دفع الإيجار أو بالطرد في أي لحظة. من هنا، تبرز الحاجة إلى قرارات واضحة وشجاعة تشمل إعادة النظر في استبعاد المتقدمين لمشروعات السكن الاجتماعي، وتخصيص حقيقي وعادل لأبناء المحافظة، وضبط سوق الإيجارات بما يحقق التوازن بين المالك والمستأجر، إلى جانب طرح حلول واقعية تتناسب مع الدخل الحقيقي للمواطن لا مع تقديرات نظرية. فالعدالة الاجتماعية لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ من باب الشقة، ومن لا يملك سقفًا آمنًا فوق رأسه، لا يملك استقرارًا ولا أملًا، ولا يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء وطنه.