عندما تنتزع الإنسانية ؛ وتقتلع الرحمة من القلوب وتقتل الأخلاق عمدا مع سبق الإصرار والترصد ؛ فاعلم جيدا أنك أصبحت فى غابة يسود فيها التوحش ويحكم فيها القوى ولو على جثث الآخرين للأسف تلك هى الفترة الزمنية التي نعيشها حاليا . أصبحنا في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة ، وتشتد فيه الضغوط الإقتصادية والإجتماعية، ما أحوجنا اليوم إلى الرحمة لقد اصبحت قيمةً إنسانيةً ملحّة لا ترفًا أخلاقيًا . فالرحمة هي الميزان الذي تُقاس به إنسانية المجتمعات ، وهي الجسر الذي يعبر به الناس من القسوة إلى الطمأنينة ، ومن التفكك إلى التراحم والتكافل . وقد حث ديننا الحنيف على الرحمة بل نكون منصفين إذا قلنا إن الرحمة هى عماد الدين ؛ فقد قال المولى عز وجل عن نبيه الكريم : ( وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( الأنبياء ١٠٧ )
وقد جعل الله تعالى الرحمة أصلًا من أصول هذا الدين ، وقرنها بالإيمان والعمل الصالح ، فقال سبحانه : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156) كما ربط القرآن بين الرحمة والتكافل الاجتماعي ، فقال تعالى : ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17)
وجاءت السنة النبوية مؤكدةً لهذا المعنى السامي ، فكان النبي ﷺ قدوةً عمليةً في الرحمة قولًا وعملًا. يقول ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه الترمذي) وقال ﷺ أيضًا: «من لا يَرحم لا يُرحم» (متفق عليه) ولم تكن رحمة النبي ﷺ مقتصرة على الأقربين ، بل شملت الضعفاء والمساكين ، بل وحتى الحيوان، حين قال : «في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر» (متفق عليه)
كما سار الصحابة رضوان الله عليهم على نهج النبي ﷺ، فكانت الرحمة سلوكًا يوميًا لا شعارًا يُرفع . ” عمر بن الخطاب ” رضي الله عنه كان يتفقد أحوال الرعية ليلًا، وحين رأى امرأةً وأطفالها يبكون من الجوع ، حمل الدقيق على كتفيه بنفسه ، وقال : “ أتحمل عني وزري يوم القيامة؟ ” ، في درسٍ خالدٍ عن مسؤولية الحاكم ورحمة الإنسان . ” أبو بكر الصديق ” رضي الله عنه كان ينفق سرًا على الأرامل والمساكين حتى بعد توليه الخلافة ، ولم يعلم كثيرون بعمله إلا بعد وفاته . ومن التابعين كان الحسن البصري رحمه الله يقول : “الرحمة لا تُنزع إلا من شقي” ، مؤكدًا أن قسوة القلب علامة بعدٍ عن الله . لكننا اليوم أصبحنا نتصارع على من يستطيع أن يخدع أخيه أولا ؛ من يستطيع أن يسرق جاره ويستحوذ على ما بين يديه من نعمة ؛ ولو على حساب خراب البيت وتشتيت الأسرة ؛ من يستطيع أن يقطع لقمة عيش زميله في العمل ؛ من قادر على مصاحبة امرأة متزوجة واغوائها للنفور من زوجها ودمار أسرتها ؛ شاهدنا الأب الذى يقتل أولاده ؛ والأبن العاق الذى يقتل والديه ؛ والرجل الذى يعتدى على أبنته ؛ وكبار السن الذى يتحرشون بالأطفال فى المدارس ؛ جرائم بشعة لم تكن موجودة في مجتمعنا من قبل ؛ أصبحنا فى زمن الوحوش والمفترسين ؛الأذكى والأقوى فيه هو القادر على التدمير والخراب والسرقة والنصب . أصبحت الرحمة غائبة لا محل لها من الإعراب فى قلوبنا ؛ أصبحنا نعانى من قسوة البشر وجحودهم ؛ أصبح المجتمع شبه متهالك مما يعانيه … !!!
إن المجتمعات التي يسودها التراحم تقلّ فيها الجرائم ، وتضعف فيها مشاعر الحقد والكراهية ، ويشعر أفرادها بالأمان والانتماء . الرحمة في البيت تُنقذ الأسرة من التفكك ، وفي الشارع تحفظ كرامة الضعفاء ، وفي العمل تُشيع العدل والإنصاف .
وفي ظل ما نشهده من أزمات وفقر ومرض ، تصبح الرحمة مسؤولية جماعية : فهى كلمة طيبة ، يدٌ ممدودة ، عفوٌ عند المقدرة ، وإحساسٌ صادق بآلام الآخرين .
إن حديث النبي ﷺ «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» ليس مجرد وعظ . بل هو منهج حياة ، وقانون إلهي للجزاء من جنس العمل فمن أراد رحمة الله ، فليجعل الرحمة عنوان تعامله مع الناس جميعًا ، كبيرهم وصغيرهم ، قويهم وضعيفهم . فالرحمة لا تنقص من قدر الإنسان بل ترفعه ، ولا تُضعف المجتمع بل تقويه ؛ وبها تُبنى الأوطان وتسمو النفوس .