قبل أيام، أرسلت إليّ تلميذتي العزيزة مروة إسماعيل حداد صورة غلاف أول كتاب تتولّى ترجمته إلى اللغة العربية. كان ذلك الخبر واحدًا من الأخبار التي تُبهج القلب حقًّا، وتوقظ في النفس إحساس الغارس الذي يرى – بعد سنين طويلة – أن زرعه قد أثمر علماً ومعرفةً وفرحاً إنسانيًّا نبيلاً. في مدرسة السادات بالقلمينا، وبين طلاب الصف الخامس الابتدائي، لم تكن مروة تلميذة عادية كسائر التلميذات؛ فقد منحها الله ذكاءً فطرياً لامعاً، كنت ألمحه في بريق عينيها، وفي نقاشها الحيّ وتفاعلها الواعي مع الدروس.
وسرعان ما عرفت مروة طريق مكتبة المدرسة، فانفتح أمامها عالَم ساحر من الكتب المعرفية والثقافية، فغاصت فيه نَهلاً وشغفًا، وحملته معها إلى المرحلتين الإعدادية والثانوية. وبعد حصولها على 93% في الثانوية العامة، اتخذت قرارها الحاسم بالالتحاق بكلية الألسن بجامعة المنيا، رغبةً في التعرّف إلى علوم وآداب «الجانب الآخَر» من العالم. تخصصت في اللغة الإنجليزية إلى جانب دراسة “الألمانية”، وواصلت رحلتها المعرفية بعزيمة وثبات.
ولمّا تخرّجت، لم تَركَن إلى وظيفة رتيبة؛ إذ كان لديها طموح كبير وقدرة لافتة على الاستيعاب. فبدأت تنمّي مهاراتها وتطوّر لغتها، وبموازاة عمل متواضع في أحد مكاتب الترجمة بقنا، حصلت على العديد من الدورات التدريبية؛ في تدريب المعلمين، ومهارات مخاطبة الجمهور، والتعليم من أجل الوظيفة، وغيرها، حتى أن مدربيها وصفوها بأنها “الأفضل أداءً بين المتدربين”.
وفي عام 2017 جاءت «النقلةُ الكبرى» في مسيرتها؛ إذ عملت في إحدى كبريات شركات الترجمة بالقاهرة، تلك التي تتولى الترجمة لـ «نتفليكس» و«أمازون» والعَمّ «جوجل»، فضلًا عن كبريات الشركات العالمية.
وقد أتاح لها هذا العمل الاطّلاع الواسع على أحداث العالم وتحوّلاته، ودفعها بقوة إلى المزيد من التطوير الذاتي، فحصلت عام 2019 على دبلومة في الترجمة الفورية والتحريرية من جامعة عين شمس، تلاها كورس ترجمة فورية من وكالة أنباء الشرق الأوسط.
ثم أعلنت إحدى دور النشر قبل نحو عامين عن حاجتها إلى مترجمين فوريين، فالتحقت بها، وكانت تلك الخطوة مدخلها إلى ترجمة كتاب «رحلة استكشاف الدماغ» للمؤلفة كريستين سركسيان؛ الباحثة المتخصصة في التواصل الإنساني وتطوير المهارات – ويا لها من مُصادفة بديعة!
وسيكون هذا الكتاب، الذي يمثّل التجربة الأولى لمروة في عالم الترجمة، حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال أيام، بإذن الله تعالى.
تهدي مروة هذا العمل إلى المُلهم الأول في حياتها؛ والدها الكريم، ثم إلى أستاذها في الترجمة الزميل الأستاذ محمد عبدالحميد عبدالواحد.
وفيضًا بسعادتي بهذه «النبتة الأولى» في “الترجمة الأدبية”، من غرس تلميذتي العزيزة مروة حداد، أسأل الله أن يكتبَ لها طريق التوفيق والنجاح والسداد، وأن يجعلَ رحلتها العلمية زادًا لها ولغيرها، ونورًا يُهتدَى به بين العِباد.