صرخة بنى عدى التى أرعبت جيش نابليون
كتب/أيمن بحر
يوم تفجّرت فيه الأرض غضباً18 أبريل 1799 قبل طلوع الفجر بدقائق.كان الهواء ثقيلاً، كأن النيل نفسه يحبس أنفاسه. فى الظلام سمعنا أول صوت: حوافر خيل تُمزّق الصمت، ثم صوت حديد يصطدم بالحديد، ثم… صوت مدفع يُطلَق من بعيد كأنه صرخة شيطان.فى لحظة اشتعلت القرية.خرج الناس من بيوتهم كأنهم خرجوا من قبورهم. لا أحد نادى أحداً لا أحد أمر أحداً، لكن الكل عرف: اليوم هو اليوم. إما أن نعيش أحراراً، أو نموت واقفين.فى الساحة الكبيرة وقف الشيخ على على كومة من التبن ساقه اليمنى ترجف من كثر الجراح القديمة لكنه رفع صوته كأنه جبل:
«يا أهل بنى عدى… اللي عنده عرض وعنده أرض… ييجى دلوقتى! اللي خايف يروح يقف ورا الستات!»لم يتحرك أحد إلى الوراء.ثم رأيناهم.من بعيد كانوا كبحرٍ أزرق يتحرك. خوذات تلمع سيوف تبرق، مدافع تجرّها خيول سوداء ترفس الأرض كأنها مستعجلة على الموت. تقدّموا ببطء متعجرف كأنهم يعرفون أن لا أحد يستطيع إيقافهم.أول قذيفة سقطت على بيت الحاج عبد الرحيم. انفجر البيت كأنه بركان صغير، وطارت أشلاء في الهواء. صرخت امرأة واحدة، ثم سكتت فجأة… لأنها وجدت نفسها بدون رأس.في تلك اللحظة بالذات، انفجر الصعيد.اندفع الرجال كالذئاب المسعورة. لم يكن هناك صفوف، لا خطة، لا قائد… كان هناك غضب فقط.عمّ سالم (الذي كان يعرف بالمجنون) كان أول من وصل إلى المدفع الأول. قفز فوق الجندي الفرنسي، غرز منجله في رقبته، ثم صرخ وهو يمسك فوهة المدفع الساخنة بيديه العاريتين: «خدوا مدفعكم ده يا كلاب!» وسحب المدفع بقوة خيالية حتى قلبّه على جنوده.في الزقاق الضيّق، كانت الحاجة زهرة واقفة فوق السطح، تحمل قدر زيت مغلي كأنها تحمل نار جهنم. عندما تسلق الجنود السور، صبت الزيت. سمعنا صراخهم يمزّق السما… صراخ رجال يغلي لحمهم وهم أحياء. ثم ألقت نفسها من السطح على أقرب جندي، أمسكت خنجره بأسنانها، وطعنته في عينه قبل أن تموت.الأطفال؟ الأطفال كانوا شياطين صغار. يزحفون تحت الأقدام، يربطون أرجل الخيل بالحبال، يرمون التراب الممزوج بالفلفل في عيون الجنود، يسرقون الخناجر من أحزمتهم ويطعنون من الخلف.الدماء صارت نهراً في الشوارع. الطين تحول إلى وحل أحمر. كلما سقط واحد منّا، قام عشرة مكانه. كلما أطلق الفرنسيون رصاصة، ردّدنا بصرخة «الله أكبر» أعلى من صوت البارود.في منتصف المعركة، حدث ما لم يتوقعه أحد.الضابط الفرنسي الكبير (رجل طويل أشقر يركب حصاناً أبيض) تقدّم بنفسه، يصرخ بفرنسية غاضبة ويلوح بسيفه. أراد أن يُرهبنا. لكنه لم يكن يعرف أن في بني عدي شاباً اسمه «عواد اللي ما يعرفش الخوف».عواد كان يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، جسده نحيل، لكن عينيه كانتا جمرتين. ركض عاري الصدر، في يده عصا نبوت فقط، وقفز على الحصان من الخلف، أمسك رقبة الضابط بيد واحدة، وباليد الأخرى ضرب عنقه بالنبوت حتى طار رأسه كأنه بطيخة ناضجة.سقط الرأس في الوحل، وعيناه ما زالت مفتوحتان من الذهول.في تلك اللحظة… انكسر الجيش الفرنسي.بدأ الجنود يركضون كالجراد المذعور. تركوا مدافعهم، تركوا جرحاهم، تركوا حتى أحذيتهم. كانوا يصرخون وهم يتسلقون الجبل، ووراءهم نساء بني عدي يزغرطن زغرودة النصر الممزوجة بالدم.لكن النصر كان أحمر… أحمر جداً.عندما صمتت المدافع، بدأنا نحصي.ثلاثة آلاف شهيد. ثلاثة آلاف من أصل خمسة آلاف نفس.كانت الأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الجثث، والزوجات ينادين على أزواجهن بأسمائهم حتى يبحّ صوتهن. وكان النيل يجري أحمر ذلك اليوم، كأنه يبكي معنا.في الليل، وقف الشيخ علي على نفس كومة التبن، متكئاً على عصاه، والدم يسيل من جرح في رأسه. رفع صوته المتهدج:
«يا أهل بني عدي… النهاردة دفعنا تمن الحرية… تمن غالي أوي… لكن والله لو رجع بيا الزمن ألف مرة… هنعملها ألف مرة!»فردّدنا جميعاً، صوتاً واحدًا، من قلوب مكسورة لكن شامخة:
«هنعملها ألف مرة!»ومن يومها… كل 18 أبريل، نخرج إلى الشارع، نحمل صور الشهداء، نولّع الشماريخ، نزغرط، نرقص، ونبكي في نفس الوقت.ونقول للدنيا كلها:«تعالوا يا من تريدون أرضنا… تعالوا شوفوا ثمنها مكتوب بدم ثلاثة آلاف بطل… وإحنا لسه عندنا اثنين آلاف تانيين مستعدين يدفعوه تاني!»بني عدي لم تمت.
بنى عدى ولدت من جديد… فى الدم والنار والعزة.ولن تموت أبداً.







































