كتبت نجوى نصر الدين جراثيم التعليم العربي… مقارنة بالرؤية الفنلندية لباسي سالبرغ مقال تحليلي نقدي لم تنهض فنلندا بمعجزة، ولم تفتح بابًا سحريًا في حائط المدرسة؛ كل ما فعلته أنها تجرّأت على تنظيف النظام من “الجراثيم” التي كانت تلتهم روحه. باسي سالبرغ، الأب الروحي للتعليم الفنلندي، لم يكن يقدّم وصفة جاهزة بقدر ما كان يفكّك أوهامًا تسكن عقول المدراء حول العالم: كلّما بالغتَ في الامتحان، تظن أنك تحكم النظام؛ وكلّما أثقلتَ اليوم الدراسي، تظن أنك تزيد التعلّم. وفي الحقيقة أنت لا تزيد إلا الإرهاق وتقتل الفضول. باسي سالبرغ هو الاب الروحي للتعليم الفنلندي والذى قال: إن أول خطوة اتخذتها فنلندا للنهوض بالتعليم هى التخلص من الجراثيم ٠ فسأله الصحفيون ماذا تقصد بجراثيم التعليم ؟! فرد قائلا: الجرثومة الاولى/ تكثيف المواد الجرثومة الثانية/ كثرة الاختبارات و الامتحانات الجرثومة الثالثة/ إطالة ساعات الدوام الجرثومة الرابعة /الدراسة المنزلية الجرثومة الخامسة /الدروس الخصوصية وفي المقابل، يقف التعليم العربي وكأنه جسدٌ جميل لكنّه محاصر بقفص صدري ضيّق. يريد أن يتنفس… لكنه لا يعرف كيف.؟؟ 1) الجرثومة الأولى: تخمة المناهج الطالب العربي لا يتعلّم، بل يحمِل. يحمل كتابًا فوق كتاب، ومادة فوق مادة، حتى تتحوّل المعرفة إلى حملٍ لا إلى نور. الفنلندي يدرس أقل… فيفهم أكثر. والعربي يدرس أكثر… ليخرج بأقل فهمٍ ممكن. 2) الجرثومة الثانية: عبادة الامتحان في عالم سالبرغ، الامتحان أداة كشف، لا أداة قمع. لكن في عالمنا، الامتحان هو الحكم والجلاد، الطالب يذاكر للامتحان… لا للحياة. والمعلم يدرّس لورقة الامتحان… لا لخبرة العيش. هكذا تحوّل التعليم إلى مصنع لإنتاج القلق لا الكفاءات. 3) الجرثومة الثالثة: اليوم الدراسي الطويل وكأن المدرسة تقول للطفل: “ابقَ هنا أطول وقت ممكن، فربما ننجح في تعليمك شيئًا بالصدفة!” لكن العلم — كما يقول الفنلنديون — يحتاج إلى راحة، ومساحة، وتمرين للعقل لا جلده. العقل المرهق لا يتعلّم… بل يحفظ، ثم ينسى. 4) الجرثومة الرابعة: الواجبات المنزلية في التعليم الفنلندي لا معنى لإرسال الطالب إلى المنزل ليكمل عمل المدرسة. المنزل مكان للنمو النفسي والاجتماعي، لا ساحة لامتداد الإرهاق. أما في عالمنا العربي، فالطالب يحمل المدرسة كلها على كتفيه إلى البيت، ويحمل البيت نفسه على أعصابه إلى المدرسة. 5) الجرثومة الخامسة: الدروس الخصوصية الدروس الخصوصية ليست مجرد “خدمة تعليمية”، بل عرضٌ لمرضٍ أعمق وهو فشل المدرسة في أداء دورها. حين يعجز النظام، ينبثق اقتصادٌ موازٍ يلتهم جيوب الأسر، ويحوّل التعليم إلى صفقة، لا رسالة. أما في فنلندا، فالدروس الخصوصية لا معنى لوجودها أصلًا… لأن الفروق الفردية تُعالَج داخل المدرسة، لا خارجها. وماذا بعد؟ إذا كانت فنلندا قد بدأت عملية التطهير منذ نصف قرن، فما زال أمام التعليم العربي فرصة لفتح النافذة وتنفس الهواء الجديد عن طريق تقليل المناهج… وتكثيف الفهم تقليل الإمتحانات تقليل الساعات… وتعظيم المتعة تقليل الواجبات… وتعزيز اللعب محاربة الدروس الخصوصية… وتقوية المدرسة الإصلاح ليس معركة ضد الطلاب، بل معركة من أجلهم. وما لم ندرك أن “الجراثيم” الحقيقية ليست في الكتب، بل في العقليات والأساليب والتقاليد فلن نشمّ رائحة تعليم نظيف أبدًا تحياتي نجوى نصر الدين