الأحزاب والنقابات بين الهشاشة التواصلية ومنطق المناورة مسارات لإنتاج الإحباط الشعبي
تُشكّل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية جزءاً مركزياً في هندسة المجال العمومي وصياغة التوازنات الديمقراطية، كما تعتبر دعائم حيوية في تمثيل مصالح المواطنين و الدفاع عن حقوقهم .غير أنّ الملاحظة السوسيولوجية والسياسية تكشف عن أزمة ممتدة، تطال شرعية هذه التنظيمات وفاعليتها في تمثيل المواطنين. فضعف قدراتها التواصلية واعتمادها على أساليب المناورة أكثر من تقديم حلول فعلية، أسهما في ترسيخ حالة من التوتر واللامبالاة داخل المجتمع، وتغذية شعور جماعي بالإحباط من الفعل السياسي المنظّم. بسبب تفاقم الهوة بين المؤسسات التمثيلية وقواعدها الاجتماعية، تتغذّى دائرة الإحباط الشعبي، حيث يرتفع منسوب العزوف عن المشاركة السياسية.
فالهشاشة التواصلية كمعطى بنيوي، تُشير إلى ضعف قدرة الأحزاب والنقابات وقصورها على إنتاج خطاب متماسك، واضح، ومقنع يُعبّر عن حاجيات المواطنين ويستجيب لتطلعاتهم و تحولات المجتمع. إذ تتجلى هذه الهشاشة في عدة مستويات: . تركّز العديد من التنظيمات على الحملات الموسمية بدل بناء قنوات تواصل مستدامة مع المواطنين، في غياب تام لإستراتيجية اتصال فعالة،مما يفقدها القدرة على التأثير طويل الأمد. . يغلب على الخطاب السياسي هيمنة الأسلوب الإنشائي، التعميم والوعود غير القابلة للتحقّق، وهو ما يعمّق فقدان الثقة الشعبية. . تعاني النخب الحزبية من قصور في التفاعل مع التحولات الرقمية والإعلام الجديد بسبب ضعف الكفاءة التواصلية للقيادات، مقابل صعود فاعلين شبكيين غير مؤطرين يمتلكون قوة تأثيرية أكبر.
إذ تساهم المناورة الحزبية والنقابية في إعادة إنتاج الأزمة باللجوء إلى استراتيجيات مناورة، تهدف إلى الحفاظ على مكاسبها التنظيمية والسياسية، بدل تبني إصلاحات هيكلية. وتتخذ المناورة عدة أشكال: – التكيف الانتهازي مع التحولات السياسية دون تقديم رؤية واضحة. – استعمال القضايا الاجتماعية كورقة ضغط بدل تبنّي حلول واقعية. – إعادة تدوير نفس النخب مما يضعف التجديد الداخلي ويقلّل من جاذبية التنظيم. هذه الممارسات تساهم في تعميق أزمة الثقة من خلال تأكيد انطباع لدى المواطنين بأنّها مؤسسات تهدف إلى الحفاظ على مصالحها، لا إلى خدمة الصالح العام.
هكذا تجني الأمة من خلال هذه الممارسات إحباطا شعبيا كحصيلة لتراكمات بنيوية. ليس مجرد ردّ فعل ظرفي، بل هو نتاج تفاعل طويل الأمد بين ضعف الأداء التنظيمي وغياب قنوات المشاركة الفعلية. ويمكن رصد تجليات هذا الإحباط في: . ارتفاع نسب العزوف الانتخابي حيث تتحول العملية السياسية إلى طقس شكلي لا يجد المواطن فيه معنى للمشاركة الشريفة والنزيهة.هذا ما تطمح إليه الأحزاب الثرية من أجل احتواء الأحداث واستغلالها لصالحهم. . تراجع الانخراط في العمل النقابي نتيجة اعتقاد شائع بأن النقابات أصبحت جزءًا من اللعبة السياسية بدل كونها أداة للدفاع عن الحقوق. . صعود الاحتجاجات غير المنظمة التي تعبّر عن انتقال الفاعلية من المؤسسات التقليدية نحو الفضاءات الاجتماعية والشبكية.
ومن أجل إعادة بناء مقاربة إصلاحية أساسها الثقة ، و لمعالجة هذه الأزمة المركّبة، يستوجب الأمر تبنّي إصلاحات عميقة على المستوى التنظيمي والسياسي: – تجديد النخب القيادية بآليات ديمقراطية داخلية شفافة. تبني استراتيجيات تواصل حديثة تتأسس على التفاعل – المستمر لا على التوجيه الفوقي. – تعزيز الانفتاح على القواعد الاجتماعية عبر منصات المشاركة وإشراك المواطنين في صنع القرار. – تحويل النقابات والأحزاب إلى وسطاء فعليين بين الدولة والمجتمع من خلال برامج واقعية تستجيب لتحديات المرحلة.
تكشف أزمة الأحزاب والنقابات عن تحولات عميقة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعن ضرورة إعادة التفكير في الأدوار التمثيلية لهذه المؤسسات. إن الهشاشة التواصلية والمناورة السياسية ليست مجرد أعراض عابرة، أو اختلالات بل مؤشرات لأزمة ثقة مستفحلة وعلى خلل بنيوي يهدد استقرار المجال السياسي. ومن ثمّ، فإنّ تجاوز دائرة الإحباط الشعبي يمرّ عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، و إعادة بناء منظومة الوساطة من أجل إرساء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الانفتاح ،الشفافية، المشاركة، والفعالية. د.محمد جستي