لا أعرف عن الرُّجل إلّا اسمه، ولم يحدث أن التقيته من قبل، ولا مصلحة لي عنده… لكنّ مقالاً مثل هذا كتبه د. ناجح إبراهيم (وهو واحد من أبرز أعضاء الجماعة الإسلامية)، عن اللواء خالد خلف الله، (وهو من أبرز قيادات الأمن الوطني سابقاً، والنائب الوحيد الفائز من الجولة الأولى في الانتخابات الأخيرة)، جديرٌ بأن أضعه هنا، لنتعرّف على الرجل الذي لُقّب بـ “أيقونة الإحسان”.
يقول د. ناجح إبراهيم:
* “لا أتابع انتخابات مجلس الشعب المصري ولا أشغل نفسي بمن يفوز أو يخسر، لكنني فرحت وسعدت كثيراً بالنجاح الساحق الذي حققه أحد صناع المعروف الكبار في تاريخ مصر، اللواء خالد خلف الله، الذي فاز باكتساح من أول جولة بفارق 52 ألف صوت عن أقرب منافسيه، ودون ضجيج أو كثرة إعلانات، فعطاؤه اللامحدود هو سفيره ورسوله إلي قلوب البسطاء، فهذا الرجل لم أر مثله في حب الخير وصناعته وبذله للناس، وأعتقد أن هذا الرجل البسيط في ظاهره والعميق جدا في باطنه المشحون بالخير والمحب للناس لن يتكرر كثيراً، وهذا يجعلني أعيد للقراء مقالي السابق في جريدة المصري اليوم عن هذا الأسطورة الخيرية.. وهذا هو نَصّ المقال :
“اللواء خالد خلف الله .. أيقونة الإحسان” * هذا الرجل أكتب عنه لأنني أحبه وأعرفه عن قرب، وتحدثت معهم كثيراً وخبرت قلبه الأبيض المُحب لله والمُحسن إلى خلقه، والذي لم يتوقف حتى الآن عن مسيرة الإحسان. * أكتب عنه حباً في الإحسان والمحسنين، فلا مصلحة أو دنيا تجمعنا، ولكنّه الحب الخالص الذي جمعنا معاً. * كان الرجل أسطورة في التواضع وهضم الذات، فما رأيت أحداً من أصحاب المناصب السيادية العليا أشد تواضعاً منه، لا يتكبر على أحد أو يرى نفسه. * لا يُذكر اسمه في مجلس إلا ويذكر بالخير، يثني عليه الجميع؛ سواء كانوا رؤساء أو مرؤوسين أو كانوا معتقلين سياسيين أو محافظين أو ساسة أو موظفين أو حتى فرّاشين تعاملوا معه، وهذه نادرة في الحياة المصرية. * كانت يده ممددة بالخير العميم، فحيثما حل هطل الخير وحلّت البركة والنفع للناس، مفطور على صناعة المعروف، لا يتكلف ذلك، هذه سجيته منذ شبابه وحتى اليوم. * حينما أصبح مفتشاً للأمن الوطني بالوادي الجديد حوّل سجن الوادي الجديد إلى أحسن سجن في العالم، بعد أن كان أسوأها. * وهو أول من أيّد المرحوم اللواء أحمد رأفت في مشروع مبادرة منع العنف الذي دشّنه مع قادة الجماعة الإسلامية، يومها قال له: أنا أقف وراءك، وسر على بركة الله، وابدأ بسجن الوادي وستجد منّي كل العون. * كان يحضر مئات البطاطين كل شتاء للمعتقلين، وكان يهتم بنفسه – رغم أنها ليست من مسؤولياته – بكل منظومات التعليم للمعتقلين، بدءًا من الثانوية وحتى الماجستير والدكتوراه، فضلاً عن عشرات الترحيلات للجامعات، وهو أول من أنشأ ورشاً صناعية داخل المعتقل السياسي. * لم يترك مريضاً معتقلاً إلا واهتم بتمام علاجه، والذين كانوا يحتاجون لجراحات كان يُشرف على إرسالهم لمستشفى أسيوط الجامعي، وهو الذي طور مستشفى سجن الوادي، وأحضر له كبار الأطباء والجراحين من جامعة أسيوط وغيرها لإجراء الجراحات. * عندما وجد الأهالي ينتظرون خارج السجن في الشمس المحرقة في صيف الوادي – وما أدراك ما حرارتها – طلب من المحافظ والجمعيات الخيرية إنشاء استراحة مظللة لهم، ما زالت حتى الآن شاهدة على رحمته بالناس. * كانت كل مجهوداته للخير لا تكلف الدولة شيئاً، فقد كان يعرف المئات من صنّاع الخير والجمعيات الخيرية، وكانوا ومازالوا حتى اليوم وهو خارج الخدمة لا يردون له طلباً، فهو منهم ولهم ومعهم في الخير. * كان يحضر المئات من علب الحلوى والشيكولاته للسجون في المولد النبوي. * وهو أول من بدأ فكرة إحضار عجل أو أكثر وذبحه في السجن في عيد الأضحى وتوزيعه علي المعتقلين، وقد عمم اللواء أحمد رأفت هذه الفكرة في السجون السياسية لعدة سنوات. * وهو أول من أحضر “ديب فريزر” للسجون لتلافي فساد الأطعمة، ولما أصبح مفتشاً للأمن الوطني بسوهاج أرسل بعضها إلي سجون الوجه البحري، وذلك بعلاقاته الحسنة مع الجمعيات الخيرية وأهل الخير. * ما لا يعرفه الناس عن اللواء خالد خلف الله أنه لم يضرب إنساناً قطّ طوال خدمته، لا متهماً ولا غيره، وكان يمنع من يفعل ذلك من مرؤوسيه، ولم يشتم متهماً قط، ولم يستخدم العنف مع أحد طوال حياته، ومع ذلك كان أنجح مفتش، ففي كل مكان قاده ساد الأمن تلقائياً، فلا يفكر أحد إطلاقاً في الإخلال بالأمن إكراماً لهذه الأسطورة النبيلة، فأفضل فترات الوادي الجديد وسوهاج هي الفترة التي قادها، رغم أنه حوَّل هذه الأفرع لأماكن لخدمة الناس وقضاء حاجاتهم وحلّ مشكلاتهم، ووصل إلى أعلى درجة وظيفية في الأمن الوطني، وكان كل ضابط يعمل معه لا يريد الانتقال إلي فرع آخر، فقد كان أباً للجميع. * حينما أصبح مفتشاً لسوهاج حزن لشكوى بعض المُفرج عنهم وغيرهم من الأيتام لارتفاع تكاليف الزواج، فكان يساعدهم عن طريق الجمعيات الخيرية وأصدقائه الأغنياء حتى تمخّض عقله عن فكرة عبقرية وهي “الأفراح الجماعية لليتامى والمعتقلين السابقين”، وتحدث مع المحافظ وقتها، اللواء محسن النعماني، واستطاع بحب الأثرياء له أن يجمع الأجهزة المنزلية الكهربائية كل عام لقرابة مئة عريس وعروسة، ويسلمهم كل الأجهزة، ويتم الفرح في الاستاد الرياضي بحضوره مع المحافظ، كان يفخر بهذا الإنجاز بالذات دون غيره، ويعتبره أقرب الانجازات إلي قلبه. * أعظم حسنة للواء خلف الله أنه كان أول وأعظم داعم لمبادرة منع العنف وأحد أسباب نجاحها الباهر. * كان اللواء خلف الله أسطورة متفردة في العطاء، يقول عنه صديقه وزميله الذي عمل معه طويلاً اللواء خالد أبوشنيف: لم ينكر نفسه أبداً، أو يدّعي أنه غير موجود مهما كان طالب الحاجة بسيطاً أو فقيراً، لا يرد أحداً، يبذل قصارى جهده في خدماته، وكل من قصده يخرج من عنده راضياً، فاتح قلبه للجميع، يحب الناس ويحبه الجميع. * وعندما خرج للمعاش في عهد مبارك، ورغب في الترشّح للبرلمان في مسقط رأسه قنا استقبلوه علي مشارفها وحملوا سيارته حباً ورغباً، فلم يكن يومها في منصب ولم يخدم من قبل في محافظتهم، فاستغرب محافظ قنا لهذا الصنيع، وأبلغ القيادة السياسية بذلك الأمر العجيب. * ينتمي لقبيلة الهوارة، لكنه كان يخدم الجميع بلا استثناء، ولذلك منحه الأشراف جميعاً أصواتهم. * لم يعرف البغضاء ولا الأحقاد ولا الدسائس يوماً، الجميع يردد: هذا خدمني لوجه الله. * ويردف اللواء أبو شنيف: حينما نخرج من المسجد ويسأله سائل يخرج كل ما في جيبه ويعطيه له، فإذا سأله آخر يقول لي: أعطني يا خالد أي مبلغ معك، فكان لا يحصي أبداً ما يعطيه للفقراء، ولم يكن يعتمد على مرتبه، فقد كان من أسرة ثرية تعرف المعروف وتُحسن صناعته. * كان متواضعاً لأبعد حد، ينزل من سيارته ليسلّم على من يعرفه في الطريق ويترك سيارته لضيوفه، ويركب أي مواصلة، ويقدّر أي إنسان يزوره في الفرع، ولا يرد طالب حاجة، وأغرب ما في الأمر أنه لا توجد أي قيادة أمنية أو سياسية أو دينية إسلامية أو مسيحية لم تحبه وتقدّره. * لم يترك مناسبة فرح أو عزاء لضابط يعمل معه إلا ويشاركه، حتى لو كان ذلك في محافظة بعيدة، قد تظن مع ذلك أنه كان ضعيفاً أمنياً، كلا؛ به إنه من القلائل الذين ظلوا في جهاز الأمن الوطني حتى سن المعاش، وكل مكان قاده أشاع فيه الأمن والأمان والسلام بطريقة لا يتخيلها أحد، وهو من القلائل الذين نالوا مدحاً علنياً متكرراً من رؤسائه في جهاز الأمن الوطني، وهذا لا يحدث للكثيرين. * ويكفي أن كل الإصلاحات والتحسينات التي حدثت في السجون لـ 10 سنوات على يد العبقري الفذ، اللواء أحمد رأفت، يرحمه الله، ضرب فيها اللواء خلف الله بسهم وافر. * ويكفيه أنه صاحب فكرة الأكشاك الصغيرة التي منحها بمبالغ رمزية للمعتقلين بعد خروجهم، كي تعينهم على بداية حياة كريمة، وأصبح لهذه الأكشاك الآن شأن وثمن، فضلاً عن سعيه الحثيث لإعادة الموظفين إلي وظائفهم، وتعيين البعض في أعمال مناسبة لشهادتهم.
* تحية للواء/ خالد خلف الله، تحية لصنّاع المعروف في كل زمان”.