دور الإعلام على هامش الحدث: بين التغطية والتوجيه والتحديات المستقبلية
لم يعد الإعلام مجرد وسيط ناقل للخبر، بل أصبح فاعلًا مركزيًا في تشكيل الإدراك العام للحدث، وتوجيه دلالاته، بل وأحيانًا في صناعته أو تضخيمه. ففي عصر “الخبر العاجل” و”الإعلام الشبكي”، انتقل الإعلام من الهامش إلى المتن، لكنه عاد في كثير من السياقات إلى الهامش من حيث العمق التحليلي والوظيفة التنويرية. لهذا سأحاول تحليل مقاربة الدور المعاصر للإعلام من زاوية نقدية، مسائلاً علاقته بالحدث، وحدود الفعل الإعلامي، وهل ما يزال الإعلام يؤدي دور “السلطة الرابعة”، أم أصبح أداة توجيه وترويج لا غير؟
1.تحولات وظيفة الإعلام من التغطية إلى التوجيه: في النظريات الكلاسيكية، كان يُنظر إلى الإعلام بوصفه أداة لنقل الوقائع وتنوير الجمهور. إلا أن تطورات العقود الأخيرة، لا سيما مع صعود الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل، جعلت الإعلام يتحول من “وسيط ناقل” إلى “فاعل مؤثر”. لكن هذه الفاعلية لم تكن دائمًا تحليلية أو معرفية، بل كثيرًا ما انزلقت إلى: – التحيّز الإيديولوجي – الإثارة والتضليل – إنتاج الرأي بدل تقديم المعلومة على هذا الأساس، لم يعد الإعلام دائمًا في قلب الحدث من حيث التأثير الموضوعي، بل أصبح على هامشه من حيث العمق، يكرر، يعلّق، يضخّم، دون أن يقدّم فهماً مركبًا أو تأويلاً نقديًا.
2. الإعلام وصناعة الحدث: فاعل أم تابع؟ في كثير من الأحيان، لا ينتظر الإعلام الحدث ليغطيه، بل يساهم في صناعته أو توجيه مضمونه. مثال ذلك: الاحتجاجات الشعبية: قد يضخّمها إعلام ما ويصمت عنها آخر. الأزمات السياسية: يتم تصويرها ككارثة أو كحالة عابرة بحسب التوجه التحريري. الكوارث الإنسانية: تغطى بشكل مكثف في دول معينة وتتجاهل في أخرى. هنا يصبح الإعلام ليس فقط على هامش الحدث، بل جزءًا من هندسة الرأي العام. كما أن الإعلام لم يعد يُوجَّه من الدولة فقط، بل أيضًا من خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والمصالح الاقتصادية، وتوجهات الجماهير على المنصات.
3. إعلام “الآن”: سرعة بلا وعي؟ الخبر في الزمن الرقمي لا يُقرأ، بل يُمرر. والحدث لا يُفهم، بل يُستهلك. هذه السرعة تضع الإعلام في موقع هش: – السبق على حساب الدقة – التفاعل اللحظي بدل التحليل العميق – الخطاب العاطفي بدل الخطاب العقلاني وبذلك، فإن الإعلام اليوم – رغم وجوده الكثيف داخل الحدث – يبقى على هامشه من حيث قدرته على بلورة فهم عميق أو خلق وعي جمعي رشيد.
4. الإعلام بين السلطة والجمهور: استقلالية مفقودة؟ هل الإعلام مستقل فعلاً؟ سؤال جوهري في كل قراءة لدوره. في الأنظمة السلطوية، غالبًا ما يكون الإعلام ناطقًا باسم السلطة. وفي الأنظمة الليبرالية، تخضع كثير من المؤسسات الإعلامية لمنطق السوق والإعلانات والتمويل الأجنبي. حتى الإعلام البديل أو “المواطن” عبر وسائل التواصل لا يخلو من الانتقائية، الانفعال، أو التلاعب بالمحتوى. بالتالي، فإن موقع الإعلام على هامش الحدث لا يعني غيابه، بل تآكل وظيفته التنويرية والنقدية لحساب وظائف أخرى: الإثارة، الربح، أو التوجيه السياسي.
في زمن الهيمنة الرقمية وتفكيك الحدود بين الحقيقة والتمثيل، يجد الإعلام نفسه في موقع ملتبس: حاضر بقوة داخل الحدث، لكنه عاجز عن تفسيره أو مساءلته بعمق. ومن هنا يمكن القول إن الإعلام اليوم ليس على هامش الحدث من حيث التغطية، بل من حيث المعنى. إنه يملأ الفضاء، لكنه لا يملأ الوعي. وبذلك، تصبح الحاجة ملحّة إلى إعلام نقدي، مستقل، بطيء حين يلزم، يشتغل على المعنى لا على الإثارة. إعلامٌ لا يخاف من أن يكون خارج “الترند”، لكنه في صلب الوعي.