بقلم نجوي نصر الدين ثم اختلّ التوازن. ما الذي حدث؟ حدث أن الناس نسيت أن الثقافة ليست ترفًا، بل حائطٌ تتكئ عليه الأمم حين تميل. نسيت أن المثقف لا يُطعم الخبز، لكنه يعلمك كيف تصنعه بكرامة. نسيت أن الكلمة لا تملأ الجيب، لكنها تملأ الروح بالمعنى، وأن المعنى وحده هو ما يُبقي الإنسان واقفًا. مصر التي علّمت الحرف للعرب، والتي أهدت للإنسانية طه حسين وعقّادها ومحفوظها، أصبحت تفتش عن مقعدٍ خلفي في حفلة الضجيج. ومثقفوها، الذين كانوا شموعًا للمدى، صاروا غرباء في بيتهم، يتوارون تحت سقف الغربة، حتى وإن بقوا. لقد صمت العقل، فتكلم الفراغ. غابت الأسئلة، فحضرت الفتاوى الرخيصة، والأغاني الصاخبة، والحكايات المصنوعة من ورق الإعلانات. وساد في المدينة طقس غريب: لا يشبه القاهرة التي كنا نعرفها، ولا يشبه مصر التي نحلم بها. لكن هل انتهت الحكاية؟ لا. المثقف لا يموت، بل ينام في قلب الفوضى. يُشبه النار في الجمر، لا تحتاج إلا إلى نفسٍ حارٍ ليشتعل. تحتاج مصر أن تتذكره. أن تضعه في صدر المكان لا في زواياه. أن تعود إلى عقلها لا غرائزها. أن تُدرك أن الأمم تُبنى بالكلمة أولاً، وبالحلم ثانيًا، وبمن يحرسهما معًا: المثقف. أعيدوا للمثقف ظلّه. فهو وحده من يُشير إلى الطريق حين يضل الجميع. وهو آخر من يغادر السفينة حين تغرق. وهو أوّل من يكتب الحكاية من جديد، إن أُعطي قلماً. تحياتي نجوى نصر الدين