كتبت نجوى نصر الدين في عالم تتسارع فيه الدول نحو الاستثمار في الإنسان، تبقى قوة المؤسسات هي البوصلة الحقيقية التي تحدد مصير الكفاءات. فالمؤسسات القوية — كما تؤكد التجارب — تجتذب أصحاب العقول والمهارات، وتمنحهم المناخ المناسب لتفجير طاقاتهم. هناك، تتحول المعرفة إلى إنتاج، والطاقة إلى إنجاز، فتزداد المؤسسة قوة وفاعلية وتتحول إلى بيتٍ يُحتضَن فيه الإبداع لا يُدفن.
أما المؤسسات الضعيفة، فتعاني من “الفكرة الميتة” التي تُخدّر العقول وتكبت الطاقات. في هذه البيئات، تظهر فئة ما يمكن تسميته بـ الكفاءات المكبوتة؛ أولئك الذين يمتلكون العلم والرؤية، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين بين الجهل الإداري والبيروقراطية العقيمة. ومع الوقت، يصبح الرحيل حتمًا، لا بحثًا عن رفاهٍ أو مغنم، بل عن فضاءٍ يقدّر الكفاءة ويستثمرها. وهكذا تتكرر ظاهرة هجرة الأدمغة التي تستنزف الدول النامية وتُغذّي ازدهار غيرها.
لكنّ الأخطر من الهجرة هو التكيّف مع الرداءة. حين يعتاد الكفء أن يرى الكسالى متصدرين، والسطحيين مكرّمين، يتحول الإبداع إلى صمت، والطموح إلى كسل، والجد إلى مجاملة. في هذه اللحظة، يتنازل المبدع عن ذاته، ويكتفي بالحد الأدنى، مستسلماً لمقولةٍ صارت شعارًا ضمنيًّا في كثير من المؤسسات: “استغبِ تسلم.” إنها المعادلة المرة: حين تسود الأفكار الميتة، تصبح الكفاءة غريبة، وتنتصر الرداءة. وما لم تُبنَ المؤسسات على الفكرة الحيّة — فكرة تؤمن بالإنسان لا بالولاء — فإن الهزيمة ستظل داخلية، قبل أن تكون خارجية تحياتي نجوى نصر الدين