كتبت نجوى نصر الدين
الأخلاق أولاً
كيف تحمي الضمائر ما لا تحميه المشاريع
لا تتقدّم الأوطان بالمشاريع وحدها، مهما كانت عظيمة وضخمة
بل تتقدّم بالقيم والأخلاق التي تصون هذه المشاريع وتمنحها معنى وخلودًا.
قد تبني الدولة جسورًا شاهقة، وطرقًا سريعة، ومصانع عملاقة، ولكن ما قيمة كل ذلك إذا لم يكن الإنسان الذي يعبر الجسر أو يعمل في المصنع مسلّحًا بضمير حيّ يحمي ما بين يديه؟
نظافة الشارع مثلًا، ليست من عمل المكنسة وحدها، بل هي انعكاس لضمير كل مواطن. فالموظف الذي ينهي عمله ثم يلقي بقايا طعامه في الطريق يختصر في لحظة جهودًا ضخمة أنفقت في خدمة البيئة.
والمارة الذين يحرصون على النظام والالتزام يعطون للأوطان وجهها المشرق دون أن تُنفق الدولة عليهم درهمًا واحدًا.
المشاريع العظيمة بلا أخلاق أشبه ببيت جميل بلا أساس متين يبدو لامعًا من الخارج لكنه هشّ من الداخل.
بينما الأخلاق حتى مع قلة الإمكانيات قادرة على أن تصنع من وطن متواضع نموذجًا يقتدى به. فاليابان مثلًا، لم تنهض فقط بالتكنولوجيا، بل بثقافة احترام العمل، ودقة المواعيد، ونظافة الشارع، أي بالأخلاق التي صارت جزءًا من حياة كل فرد.
إن الأخلاق هي شبكة الأمان التي تحمي كل منجز، والضمير هو الحارس الحقيقي لكل مشروع. فإذا أردنا أن نرى أوطاننا تتقدّم، فعلينا أن نبدأ من الداخل: من التربية، من البيت، من المدرسة، من القدوة التي نضعها أمام أعين أبنائنا.
بناء مصنع أو مدرسة قد يستغرق سنوات، أما بناء ضمير فيستغرق جيلًا كاملًا. لكنه استثمار يستحق العناء، لأنه الاستثمار الوحيد الذي يضمن أن تبقى المصانع عاملة، وأن تُحافَظ المدارس على رسالتها، وأن يبقى الوطن صامدًا أمام أي تحديات.
فلنجعل مشاريعنا محمية بسياج من القيم، ولنجعل كل خطوة تنموية مشروطة بوعي المواطن وأخلاقه.
عندها فقط نستطيع أن نقول: نحن نبني وطنًا لا يهدمه الزمن، لأنه يقوم على الضمائر قبل أن يقوم على الإسمنت
تحياتي
نجوى نصر الدين







































