– إنذار الضمير من المفكر العربي علي الشرفاء : قبل أن تُغلق الصحائف ويسدل ستار الحياة .. إما أن تُغيِّر مصيرك أو يُطوى كتابك للأبد
..وسط ضجيج الحياة، حيث تتلاطم أمواج الفتن، ويعمى القلب عن الحق، يبعث الله نداءً يُوقظ العقول ويهز الأرواح : ” لن يُغيِّر الله حال قومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم ” .. فهل ننتظر حتى يفوت الأوان ؟ .. أم نلتقط الفرصة قبل أن يُسدَّ بابُ التوبة وتنتهي رحلة الحياة ؟! . ففي خضمِّ هذا الكون المترامي الأطراف، حيث تتجاذب الإنسانَ أهواؤه، وتُغريه الدنيا بزخرفها، يرسل اللهُ تحذيرًا إلهيًّا شديدَ اللهجة، يُوقظ به الغافلين، ويُعيد به العقول إلى رشدها، والأرواح إلى صراطها المستقيم .
ولعل المقال الأخير للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي الذي حمل عنوان ” عِظَةٌ إِلَهِيَّةٌ تَسْبِقُ الْآجَال ” ، يعد بمثابة الطرق علي ناقوس الخطر لما فيه من تنبيه وتحذير وتبصير ، مستشهداً بقول المولي عز وجل في محكم تنزيله : ” لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ” .. صدق الله العظيم . إنها قاعدةٌ إلهيةٌ صارمةٌ، لا تقبل الجدل ولا تحتمل التأويل ، فلن يتغير حال قومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسهم .. لا استثناء، ولا محاباة، ولا وساطة فالسنن الربانية لا تُبدل، ومن أهملها، وجد نفسه في مهبِّ العواصف، لا مأوى له ولا نصير .
ولقد أرسل اللهُ إلى الإنسان نورًا يُضيء له طريق الحق، ومنهجًا يُقيم به العدل، ونظامًا يكفل التراحم بين البشر وجعل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حاملَ الأمانة، يبلغها بلا تحريف ولا تزييف، ليرسم للناس طريق الصلاح بالكلمة الطيبة .. اذ يقول الله سبحانه وتعالي : ” وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ” .. صدق الله العظيم .
لكن السؤال الجوهري هنا : لماذا انحرف كثيرٌ من الناس عن هذا الطريق ؟ .. وكيف سقطت الأمة في المؤامرة الكبرى التي إغتالت المرجعية الإلهية ؟
.. و هنا يجيب الشرفاء الحمادي في مقاله مؤكداً علي أن الشيطانُ وأعوانُه حاكوا مؤامرةً ماكرةً، خُطِّطَوا لها بإحكام، فألْهَوا الناسَ بالروايات المدسوسة والمختلقة، وصرفوهم عن النبع الصافي للقرآن الكريم ، حتى انطفأت البصائر، وضاعت بوصلة الهداية ، ومنذ ذلك الحين، بدأ الانحراف الكبير، حينما أُقصيت الشريعة الإلهية، وحلَّت محلها تفسيراتٌ بشريةٌ مغلوطةٌ، شوهت معاني العدل، وزرعت الفُرقةَ والظلم بين الناس .
ويرسخ علي الشرفاء في مقالة علي حقائق نابضة بالحق تؤكد علي ان رسالة الله كلها عدالةٌ ورحمةٌ لا ظلم فيها ولا استبداد ، وأن الله سبحانه وتعالي وضع في شريعته نظامًا يضمن توازن المجتمعات، فلا فقير يئنُّ جوعًا، ولا غنيٌّ يطغى بماله، فجعل الزكاة فريضةً ليحصل الفقراء على نصيبهم العادل، وليتذكّر الأغنياء أنهم مستخلفون في أموال الله، يؤدّون الأمانة بحقٍّ، ويشعرون أنهم شركاء في بناء مجتمعٍ متماسكٍ، قائمٍ على العدل والتراحم .
لكن ما حدث بعد ذلك ، قلب نظام الطبيعة ، وشوه أصل الرسالة الالهية ، إذ تلاعبت أيادي الشيطان بموازين العدل، فانتشر الجشع، وساد الطغيان، وأصبح المال سلعةً يتلاعب بها المتنفذون، بينما الجياع يمدّون أيديهم بلا مُعين ، وهكذا تفككت الأمم، وغرقت الشعوب في مستنقع الظلم والاستبداد ، ونشأت الفرق والمذاهب المتطرفة التي تصارعت علي السلطة والحكم ، فأزهفت أرواح بريئة ، ودمرت مجتمعات مسلمة مسالمة .
.. و حين يسقط القناع ويتكشف الخداع .. وحين يقترب يوم الحساب، ويدرك الإنسان حجم الخديعة، سيكون الوقت قد فات، ولن تنفعه التوسلات، ولن يجد من يشفع له، بل سيسمع الشيطان يُعلن خيانته الكبرى في وجه أتباعه المخدوعين، ساخرًا منهم بكل استهزاء ، وهنا يقول صاحب الملكوت في السموات والأرض في كتابه المبين : ” وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ ” .. صدق الله العظيم .
وهكذا، حين يساق الكافرون إلى مصيرهم المحتوم، تُفتح أمامهم أبواب العذاب، بينما الملائكة يلقون عليهم سؤالاً يُحطم كل آمالهم بقوله عز وجل : ” أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ” .. صدق الله العظيم .
.. ما زال الامل موجود ولا زال الباب مفتوحًا.. فهل يستفيق الناس وتستجيب الامة ؟ .. هكذا يقول علي الشرفاء الحمادي في مقال تنويري جرئ ، موجهاً نداء الصحوة من الغفلة : ” يا أيها الإنسان، لم يُغلق بابُ الرحمة بعد، ولم يُطوَ سجلُّ الأعمال، فلا تزال هناك فرصةٌ قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، ولا يُجدي الاعتذار ” .. إن الله يُناديك بنداءٍ تَسْكُن له الأرواح، وتَطمئن له القلوب، نداءً لا يُغلق حتى تُغلق أبواب الحياة نفسها .. ويستدل الشرفاء الحمادي بقول الله سبحانه وتعالي : ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” .. صدق الله العظيم .
فالخيار بيدك.. فلا تؤجّل قرار العودة الي الله .. إنها لحظةٌ فارقة، وموقفٌ مصيري، فإما أن تُصغي لهذا النداء وتعود إلى الله بقلبٍ مُنيب، فتكون من الفائزين، أو تستمر في غفلتك حتى يفاجئك الأجل، وحينها لا رجعة، ولا فرصة ثانية .
أيها الإنسان، أما آن للقلب أن يستفيق ؟ .. أما آن للروح أن تعود ؟ .. فالوقت يمضي، والرحلة توشك على نهايتها ، فمهلاً قبل أن تنطفئ شمعةُ الحياة، وقبل أن يُغلَق بابُ الرحمة، ويُكتب عليك الفوات .. اليوم تُمهَل، وغدًا تُحاسَب، فاختر موقعك قبل أن تختارك الأقدار .. اللهم بلغت اللهم فاشهد .