الإعتزال الفصل، بين التضحية بالحاضر من أجل العيش في الماضي يمثل الوهم الزائل المرتبط بالنقيض. في حين تخضع جميع التحولات إلى القياس عوض التصورات.لأن دراسة تراث الماضي تجذب إلى النتاج المرتبط بمنحى التحول، هذا ما رفضه السلف وتبناه الإستعمار، فقام بفرضه على الطوائف في مختلف المناطق النائية بالدول العربية. إذ لا زالت هذه الظواهر حتى اليوم خارج البنية الثقافية والعقائدية الأساس للمجتمع، وفي هذا ما يشير إلى عمق الإشكالية بجزئياتها. لأن عدم استيعاب دلالات التقنية المستخدمة في الحقل المعرفي، تساهم في تحول هذا الشكل الموروث السائد دون أي تقدم إيجابي، كما لا تضفي طفرة موسعة على الكتابة التحليلية السوسيولوجية. فمن معوقات التطور والاستقرار من أجل الحفاظ على التوازنات الماكرو إقتصادية حاليا كجزء من الإحتقان المفتعل، هو التفكير الأحادي في اتخاذ القرارات المؤثرة على الجماعة خدمة للأقلية القوة النافذة. فتصحو السياسة كل صباح متثائبة على أنغام “تعالوا نتفق ألا نتفق”،يتبادلون الاتهامات كما يتبادلون الوعود البراقة. حيث أصبحت المعاملة في الدوائر الحكومية من مقتنيات المتحف الوطني القديمة، ما يفسر: – الإهمال التام لسياسة استغلال الطاقات الشابة من الكفاءات الفكرية، العلمية و الإستفادة من إبداعاتها و تجاربها و تركها عرضة للهجرة، أمام مغريات الغرب (القارة العجوز) التي دقت آخر مسمار على نعش الفئة الشابة ببلدانها. – في بلادٍ الدول العربية التي ينام فيها الاقتصاد على سرير الإنعاش، تم تعويض الكفاءات الشابة بمنتوج المكننة السياسية للأحزاب من الفاشلين، المتحكمين في إعادة تدوير المفسدين جراء الانتخابات المزورة، التي لو كان التصويت يأتي بالتغيير ،لما سمحوا لنا بذلك، إذ يستفيدون من دعم كبير مصدره الخارج، شرط العمل بالإملاءات وتنفيذ بنودها، بما فيها استفحال الفساد في جميع المجالات باعتباره جزءا من التوصيات المتفق عليها مسبقا، والمدرجة على مسودة الخيانة الداخلية التي تحث على: – عدم المساواة بين أبناء الشعب الواحد – هضم الحقوق المكتسبة – نهب الثروات – انهيار المنظومة الأساس في ازدهار الأمم: (التعليم ،الصحة، العدالة). ليظل التفكير المنطقي لديهم رهين التمسك بأطروحة الماضي كامتداد للخرافة في صناعة الأمل الإفتراضي في: – التشبت بالأضرحة و التوسل إلى الجدران الإسمنتية و التبرك بما يسمى الشرفاء أو المريدين مقابل مبالغ مالية من أجل طلب الرزق، الزواج، الحظ، النجاح وقضاء جميع المآرب الدنيوية…..حسب معتقداتهم. إنها العادات والتقاليد السلبية التي تدخل في خانة الشرك بالله، وتعميم طرق الشعوذة كمطبات التضليل من غرض الإلهاء و التخدير للسفر بعيدا عن الواقع بحقائقه التي تزعج النخبة المدبرة للشأن العام. -الاهتمام المفرط بالأفكار المتحجرة – التشبت بالخرافات و الأساطير و البدع بشتى أنواعها، التي تثير الشك، الفزع والرعب. – التأثير السلبي بمخلفات الاستعمار: من عادات و تقاليد تدعو إلى العبودية والاستسلام للذل والاحتقار. – العمل بثقافة الخوف و الإنبطاح حبا في الذات. لقد أثار التراجع الفكري للمجتمعات جدلا كبيرا في صفوف الفئة المثقفة من المفكرين. إذ اعتبروا الحنين إلى الماضي شبيه بالإرتباط بأمل المستقبل من حيث التأثير و المراجعة دون أية نتيجة. فبما أن نظام السيرورة التاريخية في حال تفاعل مستمر، لابد من كسر الحاجز فيما بينهما في الوقت الحاضر، وذلك بالإستماتة الحاسمة، لأن التغيير أصبح قاعدة الحياة الرئيسة، من أجل النهوض والتقدم بحاضر عالمنا العربي و ثقافتنا، التي لا تقوم دون المواكبة للمناهج الفكرية المعاصرة، ولا يمكن أن ندير العجلة للوراء، في بلدان أصبح فيها المحظور مجاني و الحلال مكلف، و وصول طلبيات الأكل أسرع من الإطفاء و الإسعاف، و الاستغناء عن الهاتف أكثر تأثيرا من الإستغناء عن المبادئ والقيم. .كثيرا ما نغامر بتجارب فكرية عميقة تعصف بعقول الكثيرين حيث تجعلنا نفكر خارجا عن المألوف. لكن إذا أردنا مخرجا عمليا بدون هذا المدخل، سيبقى الكلام في سياقه النظري تجربة فردية لا تلزم إلا صاحبها.